ابن قيم الجوزية
562
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وأما أهل الدين : فأكثر آدابهم : في رياضة النفوس ، وتأديب الجوارح ، وحفظ الحدود ، وترك الشهوات . وأما أهل الخصوصية : فأكبر آدابهم : في طهارة القلوب ، ومراعاة الأسرار ، والوفاء بالعهود ، وحفظ الوقت ، وقلة الالتفات إلى الخواطر ، وحسن الأدب ، في مواقف الطلب ، وأوقات الحضور ، ومقامات القرب . وقال سهل : من قهر نفسه بالأدب فهو يعبد اللّه بالإخلاص . وقال عبد اللّه بن المبارك : قد أكثر الناس القول في « الأدب » ونحن نقول : إنه معرفة النفس ورعوناتها ، وتجنب تلك الرعونات . وقال الشبلي : الانبساط بالقول مع الحق ترك الأدب . وقال بعضهم : الحق سبحانه يقول : « من ألزمته القيام مع أسمائي وصفاتي : ألزمته الأدب ، ومن كشفت له عن حقيقة ذاتي « 1 » : ألزمته العطب ، فاختر الأدب أو العطب » . ويشهد لهذا : أنه سبحانه لما كشف للجبل عن ذاته ساخ الجبل وتدكدك . ولم يثبت على عظمة الذات . وقال أبو عثمان : إذا صحت المحبة تأكدت على المحب ملازمة الأدب . وقال النوري رحمه اللّه : من لم يتأدب للوقت فوقته مقت . وقال ذو النون : إذا خرج المريد عن استعمال الأدب : فإنه يرجع من حيث جاء . وتأمل أحوال الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم مع اللّه ، وخطابهم وسؤالهم . كيف تجدها كلها مشحونة بالأدب قائمة به ؟ . قال المسيح عليه السلام : إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ [ المائدة : 116 ] ولم يقل : لم أقله . وفرق بين الجوابين في حقيقة الأدب . ثم أحال الأمر على علمه سبحانه بالحال وسره . فقال : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي [ المائدة : 116 ] ثم برأ نفسه عن علمه بغيب ربه وما يختص به سبحانه ، فقال : وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ [ المائدة : 116 ] ثم أثنى على ربه . ووصفه بتفرده بعلم الغيوب كلها . فقال : إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [ المائدة : 109 ] ثم نفى أن يكون قال لهم غير ما أمره ربه به - وهو محض التوحيد - فقال : ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [ المائدة : 117 ] ثم أخبر عن شهادته عليهم مدة مقامه فيهم . وأنه بعد وفاته لا اطلاع له عليهم ، وأن اللّه عزّ وجلّ وحده هو المنفرد بعد الوفاة بالاطلاع عليهم . فقال : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [ المائدة : 117 ] ثم وصفه بأن شهادته سبحانه فوق كل شهادة وأعم . فقال : وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ المائدة : 117 ] ثم قال : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ [ المائدة : 118 ] وهذا من أبلغ الأدب مع اللّه في مثل هذا المقام . أي شأن السيد رحمة عبيده والإحسان إليهم . وهؤلاء عبيدك ليسوا عبيدا لغيرك . فإذا عذبتهم - مع كونهم عبيدك - فلو لا أنهم عبيد سوء من أبخس العبيد ، وأعتاهم
--> ( 1 ) وهل تنكشف حقيقة الذات العلية ؟ سبحان ربنا وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا . وهم يقصدون : أن من انكشفت له الحقيقة تكلم . وقال : ما في الجبة إلا اللّه . فتعرض للهلاك والعطب كالحلاج .